أريكة الحرب

لم أعتد الجلوس على أريكتي دون أتحرك أو أتكلم حتى مع نفسي، لم أعتد هذا السكون الفظيع، الغامض، البليد، لم أعتد على التوقف عن التفكير، بل أحسست أن كل ما حولي هو هراء فقير. ها أنا أجلس مرة تلوى أخرى على هذه الاريكة دون أن اتحرك أو دون أن فكر، أصابيني شيئاً من الصاعقة من التجمد من التصلب وانا أجلس على هذه الأريكة، فلم أعتد هذا الصمت الكبير، فقلبي لم يعد يستطيع البوح أكثر فلقد سقطت الكلمات من داخله وانتشرت على شرايين الورق ولطختها بالدماء وأُغرقت، فاختفت هذه الاوراق وطارت دون أن تترك أثراً، فلذلك أُغتيلت كلمات ودادي وتنهدات فؤادي. ها أنا أجلس على الأريكة بصمتٍ قاتلٍ، جارحٍ، ذابحٍ، وفجأة استعدتُ “رأسي” بعدما كان متوقفاً عند إحدى محطات ذاكرتي، “رأسي” المفجوع الساكت المهول من كبر الفاجعة أمامه. فعاد يقول غادة استيقظي غادة، هلما نرحل لقد بدأت الحرب بدأ دوي الصواريخ، بدأ عويل الطائرات، استيقظِ، فما أن فتحت عيناي حتى شاهدت ألوان مفرقعات تضيء الخارج تغتصب سواد الليل وتنقض على عذرية هدوء الليل وبدأت أسمع نواح الأمهات وصراخها، مات ولدي مات ولدي، بكاء الأطفال وكأنها تعي ما يدور حولها والشباب تزف الاخبار وهي غاضبة متفجرة تريد الخروج لمقاتلة كل ما تراه او تلمحه من حولها. فلم أستطيع أن ألملم شيء من أغراضي فاسترت نفسي بشرشفٍ كان قد نسيته الأيادي على سريري فحملته ورحت أركض الى أقرب ملجأ لعلي أحمي نفسي. وما إن وصلت الى ذلك الملجأ فكان هناك الكثير من الأشخاص التي تتحدث وتتشاور عن أحوال البلاد وأحوال القصف والدمار ويقولون لقد قصفت اسرائيل الضاحية الجنوبية لبيروت. يا الله وماذا حدث؟ …..لقد تهدمت المباني والجسور اننا نعلم هذه اسرائيل مثل العادة تستهدف البنية التحتية ….تريد قتلنا تريد تجريدنا من أرضنا معقول يصير في اجتياح آخر مثل سنة !1982 لا غير معقول …بل بالأحرى ستقضي على لبنان اسمعوا يا شباب لقد قصفوا المطار ماذا المطار؟ هذه إنجازات رفيق الحريري الشهيد يا عمي عم يستهدفوا انجازات الرئيس الشهيد …لاه راح البلد وغيرهم من الاشخاص الذين يلمون حزب الله على أنه تعدى على حرمة اسرائيل دون أن يعطي انذار او يخطر أحد بهذا الموضوع وبدأت تتداول الاخبار وسرعان ما تسمع دوي انفجار قريب وتهلع الاطفال، والنسوة في الطرقات وتقول يا الله، احمني واحمي هذا البلد كنت اسمع هذه الصرخات، وسرعان ما اتضحى لي بأنني لست في الملجأ بل في الشارع ولم أستطيع حتى الوصول الى الملجأ وها أنا بدأت، بدأت أركض مثل الجميع مخبئة تحت شرشفٍ أبيض عليه بعض رسومات متحركة، مما أكتشف بأنه لأبنة أخي الصغيرة التي كانت تبات لدينا، وهي تحمله من مكان الى مكان. يا للصدفة سوزان ابنت اخي تحب هذا الشرشف كثيراً لم تخرج هذه المرة هي من تحمله او تجره وراءها كما العادة وتدخل الى غرفة الجلوس، وهي تردد:

– يا تيتا أنني خائفة من العتمة، هل أستطيع أن أجلس أمامك قليلاً وبعدها تخلد الى النوم ما أن تجلس أمامها حتى تنام نوماً عميقاً.

وها أنا الان أجر هذا الشرشف ورائي دون أن أقول لجدتي أنني خائفة من العتمة، بل أيضاً هذه المرة الخوف يستنجد بهذا الشرشف. وها أنا أركض للوصول الى أدراج الملجأ أسمع صوت صاروخ وكأنه سقط بجانبي، ألتفت حول نفسي لأتفقد هل مت أو بعد، فلا أرى شيئاً فاستدركت أن هذا صاروخ لم يكن أمامي بل عويله كاد ان يقتلني.

وصلت أخيرا الى أدراج الملجأ وبدأت النزول ومن ثم النزول وكأن شخص يخضع لمزلة القدر واستسلم دون أن أناشد نفسي على الأقل، وصلت أخيراً ورأيت سوزان تبكي شرشفها هو الجدار الوحيد فكانت تحضنها، حتى سوزان شردت قليلا ورأتني احتمي بشرشفها فطارت فرحاً وكأن الحبيب التقى أخيراً بحبيبته بعد فراق طويل، و في هذه اللحظات نسيت كل القذائف والصواريخ، وهرولت باتجاهي لتلتقط صديقها الوفي الذي عاد من المعركة منتصراً، فتمنيت يومها لو عدت صغيرة وأن أرى لعبتي المفضلة التي كانت تحتمي معي أيام الحروب السابقة والاجتياحات السابقة والتي كنت عند رؤيتها أنسى كل الكوارث التي يلهث لها الناس خوفاً ورعباً.

فقلت لنفسي يا ترى، ماذا تريد إسرائيل لكي تنسى ضربنا وقصفنا هل شرشف مزخرف أو لعبة أو ماذا؟ أو هل نحن هذه اللعبة التي تريد سلوة نفسها بها. يا الله لم أعد أستطيع البوح بشيء وأن أرى كل هؤلاء الاشخاص يتحدثون بصوت عال ويضعون المذياع بجانبهم وكان يعمل على البطاريات بعد انقطاع التيار الكهربائي، فمنهم من يقول استهدفت اسرائيل محطة الجمهور وغيرهم يقول لا، لقد قطعوا الكهرباء لكي لا تستطيع اسرائيل قصف اهدافها. لم اعد اريد أن اسمع شيئاً او أن أحس بشيء، كل ما تمنيته أن يكون كل هذا حلم وأن استيقظ في اليوم التالي وأن اذهب الى عملي. لكن لم يعد يوماً حلم بل أمتد الحلم الى ليالٍ وليالٍ متواصلة دون أن أعرف معنى للنوم أو للراحة، ومازلنا الى الآن نقول الحق على حزب الله، بل الحق على اسرائيل، أو الحق على العرب. فهل سنظل دائماً نضع اللوم على غيرنا دونا أن نتذكر الماضي ودون ان نتعلم من اخطائنا السابقة، الآن مثل البارحة مثل غداً سنبقى قابعين في هذا البلد والكل يستغله لمصالحه الشخصية دون أن نتذكر حرمة لبنان هذا البلد العظيم الذي تغنى به الجميع فلا أرجو في هذه اللحظة غير الرحمة والرئفة بنا وبهذا البلد الحبيب.

تحية الى روح الرئيس الشهيد رفيق الحريري والى لبنان  ودموع الثكالى ودماء الشهداء

الساعة 2:25 بعد الظهر

لبنان، ضهور العبادية إيناس تميم الاربعاء في 19- 7- 2006

Leave a Reply

I’m Inass

Hello and welcome to Act On The Stage! This is my creative haven, a place dedicated to the art of living and exploring the world around us. From heartfelt poetry to personal reflections and glimpses of beloved places like Istanbul, Beirut, or wherever my heart leads, join me as we journey through insights, inspirations, and the everyday magic of life.

أنا إيناس،
مرحباً بكم ! هذا هو ملاذي الإبداعي، مكان مخصص لفن العيش واستكشاف العالم من حولنا. من الشعر النابع من القلب إلى التأملات الشخصية ولمحات من الأماكن المحبوبة مثل إسطنبول، بيروت، أو حيثما يأخذني قلبي، انضموا إليّ بينما نبحر في آفاق من الإلهام، ونكتشف السحر اليومي للحياة.

Translate »

Discover more from Act On The Stage

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading